الفيض الكاشاني
36
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
عموم نفعه ليتعدّى فائدته ، والعمل لا يتعدّى ، والثالث أن يراد به العلم باللَّه وبصفاته وأفعاله فذلك أفضل من كلّ عمل ، بل مقصود الأعمال صرف القلوب عن الخلق إلى الخالق لتنبعث بعد الانصراف إليه لمعرفته ومحبّته ، فالعمل وعلم العمل مرادان لهذا العلم ، وهذا العلم غاية المريدين ، والعمل كالشرط له وإليه الإشارة بقوله تعالى : « إليه يصعد الكَلِم الطيّب والعمل الصّالح يرفعه » ( 1 ) فالكلم الطيّب هو هذا العلم ، والعمل كالحمّال الرافع له إلى مقصده فيكون المرفوع أفضل من الرّافع وهذا كلام معترض لا يليق بهذا الكلام . فلنرجع إلى المقصود . * ( فصل ) * إذا عرفت فوائد العزلة وغوائلها تحقّقت أنّ الحكم عليها مطلقا بالتفضيل نفيا وإثباتا خطأ ، بل ينبغي أن ينظر إلى الشخص وحاله ، وإلى خليطه وحاله ، وإلى الباعث على مخالطته ، وإلى الفائت بسبب مخالطته من هذه الفوائد المذكورة ، ويقاس الفائت بالحاصل فعند ذلك يتبيّن الحقّ ويتّضح الأفضل . وفصل الخطاب فيه ما قيل : إنّ الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة ، والانبساط إليهم مجلبة لقرناء السوء فكن بين المنقبض والمنبسط ، فلذلك يجب الاعتدال في المخالطة والعزلة ، ويختلف ذلك بالأحوال وبملاحظة الفوائد والآفات يتبيّن الأفضل . هذا هو الحقّ الصريح وكلّ ما ذكر سوى هذا فهو قاصر ، وإنّما هو إخبار كلّ واحد عن حالة خاصّة هو فيها فلا يجوز أن يحكم بها على غيره ، المخالف له في الحال ، والفرق بين العالم والصوفي في ظاهر العلم يرجع إلى هذا وهو أنّ الصوفي لا يتكلَّم إلا عن حاله فلا جرم يختلف أجوبتهم في المسائل والعالم هو الَّذي يدرك الحقّ على ما هو عليه ولا ينظر إلى حال نفسه فيكشف الحقّ فيه وذلك ممّا لا يختلف فيه فإنّ
--> ( 1 ) الفاطر : 10 .